ابن عربي

195

فصوص الحكم

الا ترى علم الله بالأشياء ما أكمله ، كيف تمم في حق ( 1 ) من عبد هواه واتخذه إلهاً فقال « وأَضَلَّه الله عَلى عِلْمٍ » والضلالة ( 2 ) الحيرة : وذلك أنه لما ( * ) رأى هذا العابِدَ ما عَبَدَ إلا هواه بانقياده لطاعته فيما يأمره به من عبادة من عبده من الأشخاص ، حتى إن عبادته لله ( 3 ) كانت عن هوى أيضاً ، لأنه لو لم يقع له في ذلك الجناب المقدس هوى - وهو الإرادة بمحبةٍ ( 4 ) - ما عبد الله ولا آثره على غيره . وكذلك كل من عبد صورة ما من صور العالم واتخذها إلهاً ما اتخذها إلا بالهوى . فالعابد لا يزال تحت سلطان هواه . ثم رأى المعبودات تتنوع في العابدين ، فكل عابدٍ أمراً ما يكفِّر من يعبد سواه ، والذي عنده أدنى تنبه ( 5 ) يحار لاتحاد الهوى ، بل لأحدية الهوى ، فإنه عين واحدة في كل عابد . « وأَضَلَّه الله » أي حيّره « عَلى عِلْمٍ » بأن كل عابد ما عبد إلا هواه ولا استعبده إلا هواه سواء صادف الأمر المشروع أو لم يصادف . والعارف المكمَّل من رأى كل معبود مجلى ( 6 ) للحق يعبد فيه « ولذلك سمَّوه كلهم إلهاً مع اسمه الخاص بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك . هذا اسم الشخصية فيه . والألوهية ( 7 ) مرتبة تخيل ( 8 ) العابد له أنها مرتبة معبوده ، وهي ( 9 ) على الحقيقة مجلى الحق لبصر هذا العابد المعتكف على هذا المعبود في هذا المجلى المختص . ولهذا قال بعض من عرف مقالة جهالة « ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى » مع تسميتهم إياهم آلهة حتى قالوا « اجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ » . فما أنكروه بل تعجبوا من ذلك ،

--> ( * ) جواب لما قوله « فأضله » الواردة في السطر الثامن . ( 1 ) « في حق » ساقطة في ب ( 2 ) ا : والضلال ( 3 ) ا : حتى عبادته اللَّه . ن : حتى عبادته للَّه ( 4 ) ب : بمحبته ( 5 ) « ا » و « ب » : تنبيه ( 6 ) ن : محملا ( 7 ) ا : والألوهة ( 8 ) ب : يتخيل : ا . يخيل للعابد له ( 9 ) ن : وهو ، والأصح وهي أي مرتبة معبوده